بيـــــــت ياشـــــــوط.. شحّ في المياه ونقص في الإيرادات والتمويل

العـــــدد 9407

الإثنـــــين 19 آب 2019

تقع بلدة بيت ياشوط على امتداد الشريط الساحلي لمحافظة اللاذقية، تبعد عن مركز مدينة جبلة 30كم وعن اللاذقية 50 كم ، وترتفع عن سطح البحر من 500م-650م، وهي ذات طبيعة متدرجة جبلية هضابية منخفضة، وتحيطها الجبال من الجهات الأربع، وضمن الجهة الغربية يوجد نتوء صخري في منطقة تسمى عين التينة، ويتوسط البلدة أوتوستراد واسع يربط السهل الساحلي لمدينة جبلة واللاذقية، ويعد صلة وصل بين الساحل والداخل، وتشكل بيت ياشوط أنموذج مدينة صغيرة تتوفر فيها كافة الخدمات والمراكز الأساسية الهامة وبشكل جيد، كما يوجد فيها العديد من المطاعم والاستراحات، محاطة بالجبال العالية والغابات الكثيفة من أشجار الصنوبر والسنديان والأشجار المثمرة، وتربط البلدة بشبكة من الطرقات وسط هذه الغابات المتربعة في أعلى قمم جبالها المطلة على البحر المتوسط، وللإضاءة والاطلاع أكثر على الواقع الخدمي في البلدة، الوحدة زارت مبنى البلدية والتقت الأستاذ ماهر إبراهيم رئيس البلدية وكان اللقاء التالي..
يقول إبراهيم: تبلغ مساحة المخطط التنظيمي للبلدية 570 هكتاراً، ويقسم المخطط إلى أربع شرائح (قديم وتوسع قديم وحديث وتوسع حديث)، ويسمح ببناء ثلاثة طوابق للقديم وأربعة طوابق للحديث، ولقد تم تأسيس البلدية عام1982، ويبلغ عدد السكان حالياً ما بين 27-30 ألف نسمة، وتضم البلدة القرى والمزارع التالية:(بسمالخ- بشيلي- عين قطعة - عين قيطة - الحصنان- حلبكو - حلة عارا - حراما - عين التينة - عين سالم - جوفين - القليعة - كرم الغصون).
الخدمات والمرافق الهامة في البلدة
أوضح إبراهيم أن البلدية تضم الخدمات والمراكز التالية، يوجد في البلدية: مركز ناحية، قسم لشرطة الطرق العامة، وحدة خياطة تابعة للشركة العامة للألبسة (وسيم)، مركز ثقافي، مركز هاتف، مركز بريد، وحدة مياه، مستوصف، مشروع بيت الجريح، وحدة إرشادية، فرن احتياطي، مركز مسح احتياطي، مدارس(ابتدائية، إعدادية، ثانوية، تجارية، صناعية، مهنية)، مركز استهلاكي تابع للسورية للتجارة، مركز إسمنت، جمعيتان خيريتان (بيت ياشوط وجمعية الشروق).


الواقع المائي وشبكات المياه
وتابع ماهر حديثه مؤكداً أن شبكات المياه سيئة جداً، تعجز الكلمات عن وصف رداءتها، كما نعاني من قلة عدد مراحل الضخ وفي الحالات العادية تضخ المياه كل سبعة أيام ساعة واحدة، و هناك أحياء تضخ فيها كل عشرة أيام ساعة واحدة، والأهالي بشكل عام يعانون من العطش، وحالياً تتم متابعة مشكلة المياه بتوجيهات من السيد محافظ اللاذقية إبراهيم خضر السالم، هذا وقد طرأ بعض التحسن بشكل تدريجي آملين أن نصل إلى أفضل حال في القريب العاجل، كما أن هناك ينابيع تابعة لمديرية الزراعة في منطقة الشيخ سلمان الواقعة في مزرعة كرم الغصون، ونقترح إقامة شبكات للري والاستفادة قدر الإمكان من مياه النبع، علماً أن مياهه تكفي حاجة البلدة وإرواءها بأكملها والاستغناء عن مياه نبع السن، ومن دون أي تكاليف استجرار ضخ بواسطة الكهرباء، فلقد تمت المطالبة لمعالجة هذا الأمر لمرات عديدة ولم نلق آذاناً صاغية للاستجابة حتى الآن.
وكما أن هناك أيضاً عدد من الينابيع منها نبع عين قيطة وحقل العنز وعين الغار وحراما وعين التينة والبساتين، فنتمنى من الجهات المعنية استثمارها وحل مشكلة المياه في البلدة نظراً للحاجة الماسة للمياه وإرواء وإرضاء الأهالي والسكان بشكل أفضل.


خدمات النقل والصرف الصحي والنظافة
أكد ابراهيم أن خدمات النقل بشكل عام جيدة وعدد السرافيس تعتبر كافية ويبلغ عددها 28 سرفيساً.
أما موضوع النظافة والصرف الصحي فهناك الكثير من القاطنين يراجعوننا باستمرار لحل مشكلة الصرف الصحي في مناطق (عين سالم، جوفين، عين قطعة) ومن الجدير ذكره أن مصبات الصرف الصحي تصب في مناطق سكنية وبجانب مياه الينابيع ومجاري الأنهار، فنرجو معالجة هذه المشكلة بأقصى سرعة ممكنة، وإقامة محطة معالجة تحدّ من تلوث المياه ووقوع كارثة بيئية في المنطقة.
وبالنسبة لوضع النظافة تابع إبراهيم قائلاً: على الرغم من المعاناة وبعد المسافة بين البلدة ومكب البصة والحجم الجغرافي الكبير للمنطقة وكثافة السكان، فلا توجد سوى سيارة ضاغطة واحدة وجرار زراعي فقط وسائق الجرار حالياً خارج الخدمة لإجرائه عملية قلب مفتوح، ورغم ذلك عملية رفع القمامة مسيطر عليها وترحل بشكل دوري إلى مكب البصة، ولا يوجد أية تراكمات نظراً لجهود عمال النظافة ومتابعة العمل باستمرار، كما أن البلدية تضم أربعة عمال نظافة فقط ونطالب المعنيين بزيادة العدد.
ونوه ماهر أن هناك في البلدة مستوصفاً صحياً يخدم المواطنين ويقدم لهم اللقاحات والعلاجات الدورية ويستقبل كافة الحالات الإسعافية الطارئة.
خدمات ونسبة التعليم في البلدة
أوضح إبراهيم أن نسبة التعليم مرتفعة في البلدة لقربها من جامعة اللاذقية حيث لا تبعد عنها أكثر من 50 كم وأغلب سكانها حاصلون على الشهادات الجامعية، كما تضم البلدة عدداً من المدارس التي لها تاريخها في المنطقة مشدداً أن البلدية تضم عشرة مدارس (ابتدائية وإعدادية وثانوية وصناعية وتجارية ونسوية).
شبكات الهاتف وحالة الطرق والإنارة
تابع إبراهيم حديثه مؤكداً أن أغلب هواتف البلدة معطلة وشبكات الإنترنت سيئة جداً نتيجة سوء الكوابل والنوعية الرديئة وقلة إمكانيات الصيانة وتصليح الأعطال مشيراً أن المقسم قد تعرض للكثير من العواصف وحالات البرق في فصل الشتاء الماضي، أدت لاشتعال النيران في المبنى وانهيار السقف.
وأما حال الطرق فهي كحال الطرق في جميع أرياف وقرى محافظة اللاذقية فهي محفرة ومملوءة بالجور والحفر، وبحاجة ماسة وسريعة للصيانة وإكسائها بقميص إسفلتي كامل حرصاً على سلامة أهالينا القاطنين والزائرين إلى البلدة، وشدد على أن الإنارة الشارعية معدومة تماماً في البلدة ويخيم عليها الظلام الدامس، ولم تتم صيانتها منذ بداية الأزمة والحرب الجائرة حتى الآن.

مشاريع..

وتحدث ماهر عن أبرز الأعمال والمشاريع المنفذة هذا العام، فهناك مشروع صرف صحي تم تنفيذه بكلفة 3ملايين ليرة بطول 80م، واستكمال بناء جدار استنادي في منطقة الرويسة (الحي الجنوبي)، كما قامت البلدية بالتعاون مع المحافظة ووزارة الصناعة بإحداث وحدة إنتاجية تابعة للشركة العامة للألبسة (وسيم) من أجل تأمين فرص عمل لذوي الشهداء والجرحى والمواطنين العاطلين عن العمل، وقد تم تعيين110عمال، ونسعى حالياً أيضاً لإقامة نصب تذكاري تخليداً لذكرى شهداء أبناء البلدة ونسبة التنفيذ بلغت 60% تقريباً.
وأضاف: نعاني من بعض الصعوبات نتيجة نقص الإيرادات الذاتية والتمويل اللازم، في ظل تراكم الكثير من الخدمات الضرورية لتخديم أحياء البلدة نظراً للظروف الراهنة والأوضاع التي نمر بها الآن.
وأثناء زيارتنا وتجوالنا في البلدة التقينا بعض المواطنين وأخذنا آراءهم عن الخدمات والمطالب التي يطالبون بها، حيث أكدوا أنه في ظل المجلس الجديد للبلدة أصبحت الخدمات بشكل عام مقبولة نوعاً ما ضمن الإمكانيات المتاحة، ونلاحظ أن مجلس البلدة يعمل بأقصى طاقة ممكنة لتلبية الاحتياجات لكافة المواطنين الساكنين في البلدة، وانه جاهز لتقبل اي شكوى ومعالجتها فوراً، كما طالب الأهالي في مزرعة كرم الغصون بإقامة شبكات للري والاستفادة من مياه البئر التي تذهب هدراً والحد من تلوث المياه التي تعترضها من مجارير الصرف الصحي الجارية إليها، وإقامة محطة معالجة بأقصى سرعة ممكنة حرصاً على نظافة الوارد المائي الهام الموجود في المنطقة، كونه يعد مصدراً بديلاً لمياه السن وتلوث المناطق المسكونة وسلامة الأهالي ونظافة البيئة.
كما طالب أهالي المنطقة بشق طريق زراعي يخدم المزارعين بين كرم غصونة وحلة عارا، وأشاروا أيضاً أنه توجد في البلدة مناطق بحاجة ماسة لشق طرق وتخفيف المعاناة على الأهل والمزارعين أثناء جني محاصيلهم الزراعية وموارد رزقهم بكل يسر وأمان، وطالبوا بتزفيت الطريق المؤدي إلى مقبرة مزرعة كرم الغصون وتخديمها بالصرف الصحي.
كما يعاني سكان وأهالي القليعة من مشكلة أزمة المواصلات لبعدها عن الطريق العام مسافة 2كم، مما يضطرهم لأخذ طلب توصيلة أو السير لمسافة طويلة، تزيد عليهم من عناء ومشقة السفر وتكليفهم أعباء مادية إضافية كل يوم أثناء الذهاب إلى أعمالهم ووظائفهم.
ومن الجدير ذكره ان بلدة بيت ياشوط تشتهر ببعض الاكلات الشعبية كالبرغل بحمّص والشنكليش وخبز التنور والمحمرات بفليفلة والترموسة والكبيبات بسلق والطبيخ وزيت زيتون الخريج، كما تشتهر بزراعة التبغ وأشجار الزيتون والكرمة وبعص الأشجار المثمرة كالكرز والخوخ والدراق والتين وبعض المزروعات الصغيرة للاستهلاك المنزلي كالبصل والثوم والبندورة والفليفلة والباذنجان والخس والفجل والسلق والبقدونس والملفوف.
أخيراً، بلدة بيت ياشوط في محافظة اللاذقية ذات طبيعة جبلية متدرجة خلابة تتمتع بأغلب المقومات الأساسية التي تؤهلها لكي تكون منطقة سياحية في جبال ساحلنا الجميل، حيث تحيطها الجبال الخضراء والأشجار المثمرة والغابات الكثيفة والمناخ الجغرافي المعتدل بالإضافة إلى وجود الآبار والينابيع والأنهار العذبة وغناها بالمواقع الأثرية التي تدل على قدم وعراقة هذه البلدة، وقربها من الساحل السوري وتوسطها الحدود الإدارية لمحافظة حماة.

 

 

«بيت ياشوط»

أما عن سبب التسمية بهذا الاسم والمعالم الأثرية في البلدة فلقد التقينا الباحث في التراث الأستاذ نبيل عجمية حيث أفادنا قائلاً:
بيت ياشوط مكونة من مقطعين، الأول بيت وهي كلمة تعني المكان الذي يبيت به الإنسان وبيت كلمة مشتركة بين اللغة الآرامية والعربية والجزء الثاني هو ياشوط وهي كلمة آرامية تعني الخصيب أو المخصب، وبهذا يكون معنى الاسم هو بيت الخصيب أو المخصب وتروي بعض الحكايا الشعبية أن ياشوط أتى هذا المكان ولم يكن به أحد وابتنى به بيتاً ومن ثم أخذت القرية اسم صاحب البيت، ويعتقد أن (ياشوط) عندما سكن هذا المكان وهو معبر استراتيجي يصل الساحل السوري مع سهل الغاب أصبح مقصداً للعابرين الذين يسافرون بين مدينة جبلة وسيانو في الغرب وسهل الغاب في الجهة الشرقية لا سيما وأنه يقع على مسير ليلة من كلا المنطقتين، وهذا ما يدفعنا لوضع نظرية مفادها أن الذي أعطى اسم هذه القرية بيت ياشوط هو أولئك العابرون والمسافرون الذين كانوا يبيتون ليلتهم عند ياشوط وأولاده من بعده ومن ثم يكملون سفرهم في اليوم التالي.
وتابع عجمية: ثمة رواية شعبية أخرى ضعيفة ترجع اسم ياشوط إلى العربية ولكن هذه الرواية التي يتبناها بعض القرويين في المنطقة غير مثبتة حتى الآن والواقع أنه في قرية بيت ياشوط لا يوجد أي شخص يرجع بنسبه إلى ياشوط ولكن يوجد ضريح في مقبرة البلدة كتب عليه: هنا ضريح المقدم ابن المقدم يوسف ابن ياشوط توفي 1001 هجرية، وقد كشف عنها القاضي الشيخ عبد اللطيف سعود وبرفقته حبيب أبو علي زينة ولا تزال الشاهدة موجودة حتى الآن ومن المعروف أن المقدم هو زعيم رجال القرية الذين كانوا يدافعون عنها.
وعن البلدة والمعالم الأثرية فيها يقول نبيل: فيها الكثير من النواويس (النواغيص) وهى مقابر منحوتة في الصخر، كما أن فيها عشرات من المواقع والآثار لقرى تاريخية من العصور الغابرة، كقرية حراما القديمة التي تقع في جنوب بيت ياشوط قرب نبع ماء أخذ اسمها ويشير النمط المعماري لبيوتها القديمة إلى ذوق رفيع في البناء.
ويضيف عجمية: آخر المكتشفات الأثرية في بيت ياشوط كانت في مزرعة عين سالم وهي عبارة عن لوحة من الفسيفساء تعود للعصر البيزنطى يبلغ طولها عشرة أمتار وعرضها ثمانية أمتار بألوان مختلفة، تعد غاية في الجمال والروعة وتحتوي أربعة مشاهد الأول يمثل الحياة البرية وفيه أسد ولبوة تتوسطهما شجرة خضراء، و الثاني يمثل الحياة البحرية وفيه مجموعة من الأسماك والأحياء البحرية، أما الثالث فيمثل حالة الصيد في ذلك الزمن من خلال غزالين يتفيأان أشجاراً خضراء متنوعة والرابع يصور طبيعة الحياة البشرية في تلك الفترة.
وأشار عجمية إلى أن البلدة شهدت معركة عين فتوح الشهيرة ضد المستعمر الفرنسى التي قادها الشيخ صالح العلى في عام 1921، ومن المكتشفات الأثرية أيضاً تم الكشف عن جزء من أرضية لوحة فسيفساء ثانية، ونقد برونزي مكتوب على وجهه (سيدنا جوستنيان هو دائماً ملك) أما على الوجه الآخر من النقد ذاته كتب عليه (سنة 12 من حكم جوستنيان) وهي تعادل عام 539 ميلادي، ويعود هذا النقد البرونزي الذي عليه نقش للإمبراطور (جوستنيان) للعصر البيزنطي، كما أظهرت أعمال التنقيب مجموعة من الكسر الفخارية وبعض القطع البرونزية من بينها رأس نبلة، كما ظهرت أربعة غرف تأخذ شكل مستطيل جدرانها محفوظة على عدة مداميك مبنية من الحجر الكلسي المحلي، وإحدى هذه الغرف كانت أرضيتها من الفسيفساء محفوظة بشكل بسيط تحمل بعض عناصر زخرفية هندسية والأخرى أرضيتها مرصوفة ببلاطات حجرية.

نعيـــم ســــعد


طباعة   البريد الإلكتروني